الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

186

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

3 2 - ثواب الإخلاص كما أشرنا في تفسير الآيات المتقدمة ، فإن القرآن المجيد عزا نجاة يوسف - من هذه الأزمة الخطرة التي أوقعته امرأة العزيز فيها - إلى الله ، إذ قال : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . ولكن مع ملاحظة الجملة التي تليها : إنه كان من عبادنا المخلصين تتجلى هذه الحقيقة ، وهي أن الله سبحانه لا يترك عباده المخلصين في اللحظات المتأزمة وحدهم . . ولا يقطع عنهم إمداداته المعنوية . . بل يحفظ عباده بألطافه الخفية . وهذا الثواب في الواقع هو ما يمنحه الله جل جلاله لأمثال هؤلاء العباد ، وهو ثواب الطهارة والتقوى والإخلاص . وهناك مسألة جديرة بالتنويه ، وهي أن يوسف " من عباد الله المخلصين " ومفرد الكلمة " مخلص " على وزن " مطلق " وهو اسم مفعول . ولم تأت الكلمة على وزن اسم الفاعل أي " مخلص " على وزن " محسن " . والدقة في آيات القرآن تكشف عن أن كلمة " مخلص " ( بكسر اللام ) غالبا ما تستعمل في مراحل تكامل الإنسان الأولى وفي حال بناء شخصيته ، كقوله تعالى : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ( 1 ) . وكقوله تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ( 2 ) . غير أن كلمة " مخلص " بفتح اللام استعملت في المرحلة العالية . . التي تحصل بعد مدة مديدة من جهاد النفس ، تلك المرحلة التي ييأس الشيطان فيها من نفوذه ووسوسته داخل الإنسان ، وفي الحقيقة تكون نفس الإنسان مؤمنا عليها من قبل الله ، يقول القرآن في هذا الصدد : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين

--> 1 - العنكبوت ، 65 . 2 - البينة ، 5 .